محمد بن جرير الطبري
33
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وجهه وأوتد له أربعة أوتاد ، وامر بعجل فاوقر أسطوانا ما حمل ، وجعل في أسفل العجل خناجر وشفارا ، ثم دعا بأربعين ثورا ، فنهضت بالعجل نهضه واحده ، وجرجيس تحتها ، فتقطع ثلاث قطع ، ثم امر بقطعه فأحرقت بالنار ، حتى إذا عادت رمادا بعث بذلك الرماد رجالا فذروه في البحر ، فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتا من السماء يقول : يا بحر ، ان الله يأمرك ان تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب ، فانى أريد ان أعيده كما كان ثم ارسل الله الرياح فأخرجته من البحر ، ثم جمعته حتى عاد الرماد صبره كهيئته قبل ان يذروه ، والذين ذروه قيام لم يبرحوا ثم نظروا إلى الرماد يثور كما كان ، حتى خرج منه جرجيس مغبرا ينفض رأسه ، فرجعوا ، ورجع جرجيس معهم ، فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذي أحياه ، والريح التي جمعته فقال له الملك : هل لك يا جرجيس فيما هو خير لي ولك ! فلو لا ان يقول الناس انك قهرتنى وغلبتني لاتبعتك وآمنت بك ، ولكن اسجد لأفلُّون سجده واحده ، أو اذبح له شاه واحده ، ثم انا افعل ما يسرك . فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع ان يهلك الصنم حين يدخله عليه ، رجاء ان يؤمن له الملك حين يهلك صنمه ، وييئس منه ، فخدعه جرجيس ، فقال : نعم ، إذا شئت فأدخلني على صنمك اسجد له ، واذبح له ، ففرح الملك بقوله ، فقام اليه فقبل يديه ورجليه ورأسه ، وقال : انى اعزم عليك الا تظل هذا اليوم ، ولا تبيت هذه الليلة الا في بيتي وعلى فراشي ، ومع أهلي حتى تستريح ويذهب عنك وصب العذاب ، فيرى الناس كرامتك على . فاخلى له بيته ، واخرج منه من كان فيه فظل فيه جرجيس ، حتى إذا ادركه الليل ، قام يصلى ، ويقرا الزبور - وكان أحسن الناس صوتا - فلما سمعته امراه الملك استجابت له ، ولم يشعر الا وهي خلفه تبكى معه ، فدعاها